فخر الدين الرازي
109
تفسير الرازي
ويدرك الهارب . ويهتك العاشق ، ويبلي الكتان ، ويهرم الشبان ، وينسى ذكر الأحباب ، ويقرب الدين ، ويدني الحين . وكان فيهم أيضاً من يفضل القمر على الشمس من وجوه : أحدها : أن القمر مذكر . والشمس مؤنث لكن المتنبي طعن فيه بقوله : فما التأنيث لاسم الشمس عيب * ولا التذكير فخر للهلال وثانيها : أنهم قالوا : القمران ، فجعلوا الشمس تابعة للقمر ، ومنهم من فضل الشمس على القمر بأن الله تعالى قدمها على القمر في قوله : * ( الشمس والقمر بحسبان ) * ( الرحمن : ) ، والشمس وضحاها والقمر إذا تلاها ) * ( الشمس : 21 ) إلا أن هذه الحجة منقوضة بقوله : * ( فمنكم كافر ومنكم مؤمن ) * ( التغابن : 2 ) وقال : * ( لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة ) * ( الحشر : 20 ) وقال : * ( خلق الموت والحياة ) * ( الملك : 2 ) وقال : * ( إن مع العسر يسرا ) * ( الشرح : 6 ) وقال : * ( فمنهم ظالم ) * الآية . أما النجوم : ففيها منافع . المنفعة الأولى : كونها رجوماً للشياطين ، والثانية : معرفة القبلة بها ، والثالثة : أن يهتدي بها المسافر في البر والبحر ، قال تعالى : * ( وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر ) * ( الأنعام : 97 ) ثم النجوم على ثلاثة أقسام : غاربة لا تطلع كالكواكب الجنوبية ، وطالعة لا تغرب كالشمالية ، ومنها ما يغرب تارة ويطلع أخرى ، وأيضاً منها ثوابت ، ومنها سيارات ، ومنها شرقية ، ومنها غربية والكلام فيها طويل . أما الذي تدعيه الفلاسفة من معرفة الأجرام والأبعاد . فدع عنك بحراً ضل فيه السوابح قال تعالى : * ( عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحداً إلا من ارتضى من رسول ) * ( الجن : 26 ، 27 ) وقال : * ( وما أوتيتم من العلم إلا قليلا ) * ( الإسراء : 85 ) وقال : * ( ولا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ) * ( هود : 31 ) وقال : * ( ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم ) * ( الكهف : 51 ) فقد عجز الخلق عن معرفة ذواتهم وصفاتهم فكيف يقدرون على معرفة أبعد الأشياء عنهم ، والعرب مع بعدهم عن معرفة الحقائق عرفوا ذلك ، قال قائلهم : وأعرف ما في اليوم والأمس قبله * ولكنني عن علم ما في غد عمي وقال لبيد : فوالله ما تدري الضوارب بالحصى ولا زاجرات الطير ما الله صانع المسألة الرابعة : في شرح كون السماء بناء ، قال الجاحظ : إذا تأملت في هذا العالم وجدته كالبيت المعد فيه كل ما يحتاج إليه ، فالسماء مرفوعة كالسقف ، والأرض ممدودة كالبساط ، والنجوم منورة كالمصابيح والإنسان كمالك البيت المتصرف فيه ، وضروب النبات مهيأة لمنافعه وضروب الحيوانات مصرفة في مصالحه ، فهذه جملة واضحة دالة على أن العالم مخلوق بتدبير كامل وتقدير شامل وحكمة بالغة وقدرة غير متناهية والله أعلم . أما قوله تعالى : * ( وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقاً لكم ) * فاعلم أن الله تعالى لما خلق الأرض وكانت كالصدف والدرة المودعة فيه آدم وأولاده ، ثم علم الله أصناف حاجاتهم فكأنه قال يا آدم لا أحوجك إلى شيء غير هذه الأرض التي هي لك كالأم فقال : * ( أنا صبينا الماء